شوقي ضيف
212
المدارس النحوية
سيال بالخواطر التي تفد عليه من كل صوب ، من ذلك توجيهه لإعراب « أي » في قراءة من رفعها في قوله تعالى : ( ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا ) ومعروف أن قراءتها بالنصب واضحة ، إذ تكون مفعولا للفعل ننزعن . أما بالرفع فذهب الخليل إلى أنها استفهامية ومفعول الفعل محذوف ، والتقدير : لننزعن الفريق الذين يقال فيهم أيهم أشد . وقال يونس : بل المفعول جملة أيهم والفعل معلّق عنها كما يعلق في باب ظن حين تدخل هي وأخواتها على جملة استفهامية . وذهب سيبويه إلى أنها أي الموصولة مبنية على الضم وحذف صدر صلتها ، والتقدير : لننزعن الذي هو أشد . وقال الكسائي والأخفش : من في الآية زائدة وكل شيعة هي المفعول به ، وجملة أي مستأنفة . ثم جاء الفراء فعرض فيها ثلاثة وجوه : الوجه الأول أن يكون الفعل واقعا على موضع « من » تمشيا مع رأيه في أن الحروف تعرب حسب العوامل التي تطلبها ، وكأن « من » هي مفعول ننزع ، ويمثل لذلك بقولهم : « قد قتلنا من كل قوم » و « أصبنا من كل طعام » ، ثم تستأنف بعد ذلك جملة ( أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا ) بتقدير فعل محذوف عامل فيها هو ننظر أي ننظر أيهم أشد على الرحمن عتيّا . والوجه الثاني أن يكون تقدير الآية ثم لننزعن من الذين تشايعوا على هذا ، ينظرون بالتشايع أيهم أشد على الرحمن عتيّا ، فتكون أي في صلة التشايع . والوجه الثالث أن يكون التقدير : ثم لننزعن من كل شيعة بالنداء ، أي لننادين أيهم أشد على الرحمن عتيّا « 1 » . ومن ذلك تعليقه على الآية الكريمة : ( بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) فقد وقف بإزاء أن في قوله تعالى : ( بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ ) ملاحظا أنها تفيد الجزاء مثل إن ، ومن هنا كانا يتعاوران الموضع الواحد في الكلام ، ويفرق بينهما في الاستعمال على هذا النحو : « إذا كان الجزاء لم يقع عليه شئ قبله وكان ينوى بأن الاستقبال كسرتها وجزمت بها فقلت أكرمك إن تأتني ، فإن كانت ماضية قلت أكرمك
--> ( 1 ) معاني القرآن 1 / 47 وانظر مجالس العلماء للزجاجى ص 301 والمغنى ص 81 .